الثقافة
كساحة للصراع الإيديولوجي
في
النظام الدولي الحديث
عمانويل فالرشتاين(*)
ترجمة: الذهبي
مشروحي
"ليست طبيعتنا
البشرية هي وحدها العالمية بل وكذلك قدرتنا على خلق وقائع ثقافية لكي نتصرف على
أساسها" (مينتز، 1988: 14)
ـ
I
ـ
قد يكون مفهوم ثقافة
من بين أوسع المفاهيم التي استعملتها العلوم الاجتماعية التاريخية. إنها تشتمل على
فئة واسعة جدا من الدلالات ولعلها تكون بالتالي المتسببة في كونها الأكثر صعوبة من
بينها. ومن ثمة هناك التباس جوهري في استعمالنا لها وهو ما سينصب اهتمامي عليه.
هناك، من جهة، إحدى
أهم اللبنات التي تقوم عليها نظرة العلوم الاجتماعية إلى العالم والتي يؤكد عليها
الأنثروبولوجيون بجلاء وهي القناعة التالية: في الوقت الذي يشترك فيه كل الأشخاص
مع كل الآخرين في بعض السمات فإن كل الأشخاص لا يشتركون أيضا في سمات أخرى إلا مع
البعض الآخر فقط. ثم إن كل الأشخاص سيظلون يتميزون ببعض السمات الأخرى لا يشتركون
فيها مع أي شخص آخر. هذا يعني أنه يمكن أن يوصف كل شخص بطرق ثلاث حسب المثال
الأساس: بالخصائص العامة للنوع البشري، وبمجموع الخصائص التي تعين هذا الشخص
باعتباره عضوا في إحدى سلاسل الجماعات، ثم بخصائص هذا الشخص الفريدة. وعندما نتحدث
عن السمات التي لا هي عامة ولا هي خاصة فإننا نستعمل، في غالب الأحيان، مصطلح
"ثقافة" لوصف مجموع هذه السمات أو هذه السلوكات أو هذه القيم أو هذه
المعتقدات. وقصارى القول، فلكل "مجموعة" "ثقافتها" الخصوصية
بحسب الجنس، أو العرف أو اللغة أو الطبقة أو بحسب القومية، الخ. وبناء عليه، فإن
كل شخص يشارك في العديد من "الثقافات".
والثقافة من جهة
أخرى، لا تستعمل للدلالة على الكلية الخصوصية عند جماعة واحدة في مقابلة جماعة
أخرى بل للدلالة، عوض ذلك، على خصائص معينة داخل الجماعة باعتبارها متعارضة مع
خصائص أخرى داخل نفس الجماعة. إننا نستعمل الثقافة للإشارة إلى الفنون
"الرفيعة" باعتبارها متعارضة مع الممارسة الشعبية أو اليومية. إننا
نستعمل الثقافة للدلالة على ما هو، بنية فوقية، باعتباره متعارضا مع ما هو بنية
"تحتية". إننا نستعمل الثقافة للدلالة على ما هو "رمزي" في مقابل
ما هو "مادي". هذه التمييزات الثنائية المختلفة ليست متطابقة على الرغم
من كونها تبدو كما لو أنها تصب جميعها في اتجاه التمييز الفلسفي القديم بين
"المثالي" و"الواقعي" أو بين "العقل"
و"المادة".
وأيا كانت أهمية هذه
التمييزات الثنائية فهي كلها تسير في اتجاه بنيوي مختلف جدا عن الاستعمال الآخر
للثقافة. إنها تشير إلى تقسيم داخل الجماعة بدل الإشارة إلى وحدة الجماعة (التي هي
بالطبع أساس التقسيم بين الجماعات). والآن، فهذا "الخلط" بين لفظي مفهوم
"ثقافة" عريق جدا بحيث لا يمكنه أن يكون مجرد إغفال وخاصة إذا اعتبرنا
نقاش الثقافة عموما وتعريفها خصوصا كان واسعا جدا على امتداد القرنين 19 و20.
ومن الأسلم اعتبار
هذه الالتباسات الفكرية العريقة اعتباطية كما يجب اعتبار حقيقة الخلط نقطة انطلاق
التحليل. وما دام النقاش الواسع قد جرى في الواقع ضمن حدود نظام تاريخي أوحد، أي
الاقتصاد الرأسمالي العالمي، فقد لا يكون النقاش وحده بل الالتباس المفاهيمي أيضا
نتيجة للتطور التاريخي لهذا النظام وانعكاسا لمنطقه الموجه.
إن التمييز الفلسفي
بين "المثالي" و"الواقعي" وبين "العقلي"
و"المادي" قديم جدا. ومجمل القول إنه أنتج منظورين إثنين على الأقل ضمن سياق
ما يطلق عليه الفلسفة الغربية. والذين أعطوا الأسبقية "للمثالي" أو
"للعقلي" حاولوا البرهنة على أن التمييز يشير إلى حقيقة أنطولوجية وأن
"المثالي" والعقلي" أهم أو أشرف وبكيفية ما أعلى من
"الواقعي" أو "المادي". والذين أعطوا الأسبقية
"للواقعي" أو "المادي" لا يتخذون، مع ذلك، الموقف المعاكس.
وبدلا من ذلك فهم يميلون إلى البرهنة على أن "المثالي" أو
"العقلي" ليسا ماهيتين مختلفتين بل بالأحرى إبداعان اجتماعيان، وأن
"الواقعي" وحده أو "المادي" هو الذي يتمتع بوجود حقيقي. وباختصار
فقد حاولوا البرهنة على أن مفهوم "المثالي" أو "العقلي" هو
سلاح إيديولوجي للسيطرة المراد به إخفاء الوضع الوجودي الحقيقي.
لنعرف، إذن، الثقافة
(في الاستعمال الأول) بمجموع الخصائص التي تميز جماعة عن أخرى؛ وفي (الاستعمال
الثاني) بعض المجموعات من الظواهر التي تختلف عن بعض المجموعات الأخرى
(و"أعلى" منها) داخل أي جماعة واحدة. يطرح موضوع الثقافة (الاستعمال
الأول) معضلة كبيرة. من ذا الذي أو ما الذي يملك مثل هذه الثقافة؟ يظهر أن
الجماعات هي التي تملكها. ولكن إذا كانت "الثقافة" في مصطلحنا العلمي
لها أوسع استعمال وأكثره التباسا فإن "الجماعة" كلمة ذات استعمال أكثر
إبهاما. فـ"الجماعة" كمصطلح تصنيفي ليس هو ما يأمل كل شخص تعريفه
باعتباره جماعة. ولا يوجد تمة شك في اتباع الحجة النهائية لمثل هذا المصطلح أي
"جماعة" من كل أولئك الذين لهم طول معين أو الذين يكون لشعرهم لون معين.
لكن هل يمكن لمثل هذه "الجماعات" أن تقول بأنها مالكة
"للثقافات"؟ ربما توجد أقلية تزعم ذلك. إذن، يتبين بجلاء أن بعض
"الجماعات" هي التي تملك "ثقافات".
سوف نجرب هذه
المحاولة انطلاقا من الاتجاه المعاكس. إلى أي نوع من الجماعات تنسب
"الثقافات" (في الاستعمال الأول) في الأحوال العادية؟ عادة ما يقال بأن
الأمم ثقافة وطنية. ويقال عادة أن "القبائل" و/أو "الجماعات
العرقية" تملك ثقافة. وليس من المستغرب أن تقرأ ما تيسر عن "ثقافة"
"المثقفين الحضريين"، أو ثقافة "الفقراء الحضريين". وقد نقرأ
بندرة أكبر لكن وبتواتر عن "ثقافة" "الشيوعيين" أو
"الأصوليين الدينيين". بيد أنها على ما يبدو تملك بعض أشكال الوعي
الذاتي (وبالتالي إحساسا بالحدود) وبعض أنماط التنشئة الاجتماعية مؤلفة مع نظام
"دعم" قيمهم أو سلوكاتهم الملزمة وبعض أنواع التنظيم. وقد يكون التنظيم
محددا بدقة كما هو الشأن بالنسبة للأمة-الدولة وقد يكون غير مباشر تماما مثلما في
الجرائد والمجلات وربما الجمعيات التطوعية المشتركة التي تعمل كشبكة للتواصل بين
"المثقفين الحضريين".
وعليه، فما أن أثرت
سؤال ما الذي أو/من الذي له ثقافة حتى ظهر فورا وبوضوح إلى أي حد يبدو هذا الحقل
متنطقا. ما الدليل على أن لكل جماعة معينة "ثقافة"؟ ولم يكون الجواب
أبدا هو أن كل "الأعضاء" المفترضين في أي من هذه الجماعات يتصرفون مع
بعضهم البعض بنفس الشكل وبشكل يختلف مع كل الآخرين. وعلى أبعد تقدير يمكننا أن
نبرهن على وجود علاقة دالة إحصائيا بين "عضوية" الجماعة وبين بعض
السلوكات أو الخيارات القيمية أو ما إلى ذلك.
ثم إننا إذا ما ضغطنا
قليلا فمن الواضح أن اكتشافاتنا الإحصائية سوف تتنوع باستمرار (وربما بشكل لافت)
مع الزمن. هذا يعني أن السلوك أو الخيارات القيمية أو ما يمكن أن يعرف به المرء
الثقافة هو بالطبع ظاهرة متطورة حتى ولو كان تطورها بطيئا على الأقل فيما يتعلق
ببعض الخصائص (مثل عوائد الأكل).
ومما لا مراء فيه من
الجهة الأخرى أن الشعوب في مختلف أرجاء العالم أو في مختلف العصور أو في مخلف
الطوائف الدينية أو اللغوية يتصرفون على الرغم من ذلك بشكل مختلف بالنسبة لبعضهم
البعض وفي حدود معينة يمكن تعيينها وملاحظتها بمنتهى السهولة. وعلى سبيل المثال
سيلاحظ كل شخص يسافر من النرويج إلى إسبانيا أن الساعة التي تكتظ فيها المطاعم
"وقت العشاء" مختلفة جدا في كلا البلدين. وكل مسافر من فرنسا إلى
الولايات المتحدة سوف يلاحظ أن التواتر الذي يستدعي به الأجانب كضيوف إلى المنازل
جد مختلف. وأن طول أقمصة النساء في البرازيل وإيران شديد الاختلاف وهلم جرا. وأنا
لم أعمل سوى على ذكر بعض العناصر التي يطلق عليها سلوكا يوميا. وعندما سأثير
المزيد من القضايا الميتافيزيقية سيكون من السهل كما يعرف الجميع، توضيح
الاختلافات بين الجماعات.
وعليه، فالاختلافات،
من جهة، واضحة وهي ما يتناول مفهوم الثقافة (في الاستعمال الأول). ومع ذلك من
الصعوبة بمكان الدفاع عن درجة التماثل الفعلية في سلوك الجماعات. وعندما يقول
مينتز بأننا نملك "القدرة على خلق وقائع ثقافية لكي نتصرف على أساسها لا
يسعني إلا أن أتفق معه. لكني أتساءل أيضا كيف يمكننا معرفة من هذه "نحن"
التي لها هذه المقدرة. في هذه النقطة أصبح في شك أن يكون بإمكاننا أجرأه مفهوم
الثقافة (في الاستعمال الأول) بأية طريقة تسمح لنا باستعماله في أقوال تكون عادية
جدا. فالأنثروبولوجيون، أو على الأقل البعض منهم، قد برهنوا بشكل مقنع على أن
مفهوم "طبيعة بشرية" لا يمكن أن يستعمل في استنباط مضامين ذات دلالة
بالنسبة للأوضاع الاجتماعية الفعلية. أفلا يصدق هذا أيضا على بديلها المقترح الذي
هو الثقافة؟
من هنا، إذن، سأبدأ.
وعلى ما يبدو فإن الثقافة (في الاستعمال الأول) لا تبعدنا كثيرا عن تحليلاتنا
التاريخية والثقافية (في الاستعمال الثاني) ينظر إليها بعين الريبة باعتبارها غطاء
إيديولوجيا يبرر مصالح بعض الأشخاص (وبالأخص الشرائح العليا) داخل أية
"جماعة" أو "نظام اجتماعي" معين ضد مصالح أشخاص آخرين داخل
نفس الجماعة. وحتى لو أن نفس التمييز بين "المثالي"
و"الواقعي" و"العقلي" و"المادي" فهم فعلا على أنه
سلاح إيديولوجي للسيطرة فالخلط بين الاستعمالين للثقافة سوف يكون إذن مجرد نتيجة
منطقية ما دام سينضاف بلا شك إلى مسلسل إخفاء الوضع الوجودي الحقيقي. لذلك سوف
أعمل على اقتفاء أثر التطور الفعلي "للثقافة" (في الاستعمالين معا) عبر
الزمن داخل النظام التاريخي الذي منح الوجود لهذا الاستعمال الملتبس والفضفاض
لمفهوم الثقافة أي النظام الدولي الحديث الذي هو الاقتصاد الرأسمالي العالمي.
ـ
II
ـ
لنشرع إذن في استعراض
بعض وقائع تطور هذا النظام التاريخي باعتبارها أثرت على الكيفية التي
"نظر" بها إليه المشاركون فيه. يعني، أنني أهتم بالدرجة التي أصبح بها
هذا النظام التاريخي واعيا بذاته وشارعا في صياغة إطاريه الثقافي و/أو الإيديولوجي
اللذين يبررانه ويدفعان حركته إلى الأمام وبالتالي يدعمان إعادة إنتاجه. سأذكر ستا
من هذه الوقائع التي لها دخل في الصياغات النظرية التي أسهمت في انتشار هذا
النظام.
1 ـ لقد بني الاقتصاد
الرأسمالي العالمي عبر دمج مجموعة واسعة جغرافيا من عمليات الإنتاج. ونطلق على هذا
تأسيس "تقسيم العمل" الأحادي. إن كل الأنظمة التاريخية بالطبع مؤسسة على
تقسيم العمل لكن لا أحد منها كان معقدا وواسعا ومفصلا ومنسجما قبل الاقتصاد
الرأسمالي العالمي. فالإطار السياسي الذي نشأ في إطاره تقسيم العمل هذا لم يكن، مع
ذلك، تقسيما لإمبراطورية دولية بل تقسيما لنظام بين دولي والذي هو بدوره نتاج
للتطور التاريخي لهذا النظام. فهذا النظام بين دولي تشكل ومنح الظهور وأعطى
المشروعية لمجموعة من الدول سميت دولا ذات سيادة. ومن خصائصها المحددة تميزها
الجغرافي وتطابقها مع عضويتها وخضوعها لهذا النظام الدولي. ومع ذلك فليس النظام
الدولي هو من يتحكم في وسائل العنف بل الدول متفرقة. ثم إن تحكمها محصور نظريا في إطار
سلطاتها الخاصة. وعلى الرغم من أن مثل هذا التحكم الكلي هو من باب الأسطورة فالعنف
الذي تستحوذ عليه الدولة هو على الأقل عنف مكثف إن لم يكن استثنائيا.
إن هذا التنظيم
للحياة الاجتماعية تكون فيه الضغوط "الاقتصادية" المهيمنة
"عالمية" (كلمة سيئة لكنها ذات استعمال شائع) والضغوط
"السياسية" المهيمنة "وطنية" ويشير إلى أول تناقض في الكيفية
التي يفسر بها المشاركون أفعالهم ويبررونها. فكيف يمكن للمرء شرحها وتبريرها وطنيا
وعالميا في الآن نفسه؟
2 ـ يعمل الاقتصاد
الرأسمالي العالمي كمعظم (وربما ككل) الأنظمة التاريخية من خلال نمط ذي إيقاعات
دورية. ومن أكثر هذه الإيقاعات بروزا وربما أكثرها أهمية هو مسلسل التوسع المنتظم
ظاهريا وتقلص الاقتصاد العالمي ككل. وبحسب ما توفره المعطيات الحالية فهذه الدورة
تميل إلى أن تمتد ما بين خمسين إلى ستين سنة لتشمل مرحلتيها معا.
إن عمل هذه الدورة (الذي
يطلق عليه أحيانا "الموجات الطويلة" وأحيانا دورات كوندراتييف) معقد
وسوف لن أقوم بفحصه هنا (انظر على سبيل الاستئناس فالرشتاين 1982). ومع ذلك فإن
جانبا من العملية يتمثل في أن الاقتصاد الرأسمالي العالمي تدفعه الحاجة دوريا إلى
توسيع الحدود الجغرافية للنظام ككل محدثا بالتالي أمكنة جديدة للإنتاج تشارك في
تقسيمه للعمل المحوري. فعلى مدى أربعمائة سنة عملت هذه التوسعات المتعاقبة على
تحويل الاقتصاد الرأسمالي العالمي من نظام نشأ أولا في أوربا إلى نظام يغطي الكرة
الأرضية برمتها.
إن التوسعات
المتوالية التي تحققت كانت مسلسلا واعيا استخدم عدة أنواع من الضغوطات العسكرية
والسياسية والاقتصادية بما في ذلك طبعا سحق المقاومات السياسية في المناطق
الجغرافية التي تم فيها التوسع. إننا نطلق على هذه العملية عملية
"الإدماج" وهي أيضا عملية جد معقدة (انظر هوبكينز وفالرشتاين 1987). تشير
هذه العملية إلى تناقض ثان واجهه سكان كل منطقة تم إدماجها على التوالي. فهل نظروا
إلى التغيرات التي كانت جارية بمناطقهم كانتقالات من "ثقافة" تقليدية
محلية إلى "ثقافة" عالمية حديثة أم أن هؤلاء السكان أخضعوا لضغوط من أجل
التخلي عن "ثقافتهم" وتبني ثقافة القوة أو القوى الإمبريالية الغربية؟
هل يتعلق الأمر بحالة تحديث أم بحالة تغريب؟
3 ـ إن الرأسمالية
نظام يقوم على التراكم اللانهائي للرأسمالي. وهي بالتالي نظام يتطلب الامتلاك
الأقصى لفائض القيمة. تمة طريقتان للرفع من امتلاك فائض القيمة: الأولى وهي أن
العمال يبذلون جهدا كبيرا وبفعالية أكبر وبالتالي يخلقون خارجا أكبر بنفس القدر من
الدخول (غير وقت العمل البشري). والثانية هي إرجاع قليل من القيمة التي أنتجت إلى
منتجيها المباشرين. وباختصار فالرأسمالية، بالتعريف، تستلزم الضغط على كل المنتجين
المباشرين لكي يعملوا أكثر ويتقاضوا أقل.
هذا المطلب، إذن،
يتنافر مع منطق مطالبة الفرد، ذكرا كان أو أنثى، بمصلحته. إن أوضح باعث على العمل
الدؤوب هو التعويض المرتفع. ويمكن للإنسان أن يستبدل التعويض المرتفع بالقمع إلا
أن لهذا الأخير ثمنه أيضا وبالتالي فإن استعماله يخفض من فائض القيمة. الشيء الذي
ينتج عنه أنه ما لم يتم تعويض (جزئي على الأقل) لحافزي العمل اللذين هما المكافأة
والخوف بحوافز أخرى غيرها، فمن الصعب جدا تحقيق الهدفين معا أي العمل الذؤوب
والأجر المنخفض في الوقت نفسه. فكيف يمكن للمرء أن ينظر إلى هذا النظام انطلاقا من
الكيفية التي يحقق بها هذا الغرض؟
4 ـ إن الرأسمالية
كنظام تتطلب التحويل والتغيير وعلى الأقل التغيير الشكلي. فالتراكم الأقصى
للرأسمالي لا يتطلب فقط ترويج البضائع والرأسمال بل وأيضا القوة البشرية.
وبالإضافة إلى ذلك فهي تتطلب تطورا دائما في تنظيم الإنتاج سواء من حيث طبيعة القطاعات
الطليعية أو من حيث طبيعة منشآت الإنتاج. إننا نحلل هذه الظواهر، في الغالب، من
خلال زاويتين: زاوية التجديد الاقتصادي وزاوية صعود أو أفول الدول.
ومن إحدى النتائج
الأساسية لهذا الواقع التأكيد الكبير على فضائل "الجدة" داخل النظام
العالمي الحديث. إذ لا أحد من الأنظمة التاريخية السابقة قام على أساس نظرية
التقدم إن لم نقل على نظرية التقدم الحتمي. إلا أن التأكيد على الجدة وتنفيذها
الدائم (على الأقل على مستوى الشكل) يثير بجلاء مسألة الشرعية، شرعية النظام
التاريخي عموما، وشرعية الدستور السياسي الأساسي وشرعية الدول المختلفة ذات
السيادة خصوصا. لقد نوقشت، على الدوام، مسألة الشرعية من بودين إلى ماوتسي تونغ
مرورا بماكس فيبر ونظر إليها كقضية مستعصية جدا عن الحل. إنها صعبة، بوجه خاص، لأن
الدفاع نفسه عن فضائل الجدة يقوض شرعية كل سلطة مع أن الشرعية قد تم تحقيقها بعد
جهد جهيد.
5 ـ إن النظام
الرأسمالي هو نظام استقطابي سواء في نموذج المكافأة أو في الدرجة التي يصبح فيها
الأشخاص مجبرين باطراد على لعب أدوار اجتماعية على طرفي نقيض. ثم إنه، مع ذلك،
نظام توسعي أيضا ومن تمة فهو نظام اتخذت فيه كل المعالم المطلقة شكل امتداد خطي
صاعد في الزمن: مادام الاقتصاد الرأسمالي العالمي تميز دائما بنشاط إنتاجي، منذ
البداية، وأنتج الكثير من "القيم بل والكثير من السكان والاختراعات الكثيرة.
وبالتالي تميز بالكثير من مظاهر الثراء الفاحشة.
بيد أنه إذا كان
نظاما استقطابيا فإنه سيكون من الصحيح أن هذه الزيادة في الثروة لا يستفيد منها
سوى جزء قليل من ساكنة العالم. وقد تكون هذه هي أيضا حالة الاستهلاك الحقيقي من
الدخل الفردي العالمي التي لا تحتل أية أهمية. وعلى سبيل المثال، إنها بكل تأكيد
ما يتعلق بتقلص الحيز الفيزيقي للفرد وبقي للفرد من الأشجار أقل مما كان له منذ
أربعمائية سنة خلت. ماذا يعني هذا بالنسبة لهذه الظاهرة المتملصة بل والحقيقية جدا
أي "نوعية الحياة"؟
ولهذا فالتناقض الذي
يحتاج إلى توضيح هو الموجود بين "التقدم" والتدهور، بين الثروة
المتنامية بشكل واضح وبين الفقر الحقيقي المدقع. وإن الكيفية الوحيدة لنشر الغضب
الناتج عن ذلك قد تكون هي الإنكار. ولكن أين السبيل إلى إنكار الظواهر التي أصبحت
عمومية وأين هي بالتالي الخاصية العمومية التي هي إحدى متطلبات هذا النظام؟ أي أن
التراكم اللانهائي للرأسمال يتطلب كأحد آلياته توجها جماعيا نحو الاستهلاك.
6 ـ وأخيرا فالنظام
الرأسمالي العالمي هو نظام تاريخي. ولكونه كذلك فهو يتمتع بدورة حياة كأي نظام آخر
ولا بد وأن يتوقف عن العمل عند نقطة معينة كحاصل لنتائجه البارزة الناتجة عن
تناقضاته التي تشل حركته في نهاية المطاف. لكنه أيضا نظام يقوم على منطق خاص وهو
منطق التراكم الذي لا يتوقف للرأسمال. مثل هذا النظام لا يمكنه إلا أن يتوسل
إمكانية التوسع اللانهائي.
قد يبدو التوسع
اللانهائي تحسنا كما في صورة السمو نحو السماء أو كارثي كما في صورة التردي في
الحضيض. فكلا الصورتين تكبحان، إلى حد ما، الحركة ما دامتا تبدوان أقل ما يمكن
للفرد القيام به للتأثير في النمط. إن الواقع الدنيوي مع ذلك جد معقد وأكثر تموجا
إلا أنه أيضا أكثر خضوعا لإرادة الإنسان.
وبقدر ما تنحو
الأنظمة باتجاه موتها الطبيعي تجد نفسها في وضع "انتقال" نحو مستقبلات
مجهولة. ونفس هذا المجهول الذي في مستوى منه يكون منقذا هو في نفس الوقت محرج. هنا
نحن أمام مأزق كيفية النظر إلى هذا التحول سواء كان إنكار صيرورة
"الموت" النسقي أو الترحيب بدله بصيرورة "الولادة" النسقية.
ـ
III
ـ
إن
"الثقافة" أعني منظومة أفكار الاقتصاد الرأسمالي العالمي هي حاصل
محاولاتنا التاريخية الجماعية لحل متناقضات وإجلاء غوامض وتعقيدات الوقائع
الاجتماعية-السياسية لهذا النظام الفريد. لقد أنجزنا جزءا من ذلك عبر ابتكار مفهوم
"ثقافة" (في الاستعمال الأول) وقمنا بإنجاز جزء آخر عبر ابتكار مفهوم
"ثقافة" (في الاستعمال الثاني) لتفاوتات هذا النظام ومحاولة للحفاظ
عليها كما هي في عالم يخيم عليه التغيير بلا انقطاع.
والسؤال هو كيف حدث
هذا؟ وبما أنه من الواضح أن المصالح تختلف جوهريا، الشيء الذي ينتج عنه أن تلك
البناءات "الثقافية" نادرا ما تكون محايدة، وبالتالي فنفس البناءات
الثقافية تصبح ساحة للصراع وفي حقيقة الأمر ساحة للصراع الإيديولوجي الأمامية بين
مصالح متعارضة داخل هذا النظام التاريخي.
يبدو لي أن لب النقاش
يتمحور حول الكيفيات التي تتم بها مخاتلة المتناقضات المزعومة للوحدة والتعدد،
الشمولية والخصوصية، الإنسانية والعرق، العالم والدولة، الشخص والإنسان/المرأة.
لقد برهنت سابقا على أن المذهبيين الإيديولوجيين الرئيسيين اللذين برزا في تاريخ
الاقتصاد الرأسمالي العالمي –أي العولمة من جهة والعنصرية والجنسية من جهة ثانية-
ليسا متعارضين بل هما ثنائي رمزي. كما برهنت على أن "الجرعة المناسبة"
منهما تجعل من الممكن اشتغال النظام اشتغالا يتخذ شكل مراوغة إيديولوجية متواصلة
(فالرشتاين 1988).
إن هذه المراوغة توجد
وراء الالتباسات الضمنية المقصودة في كلا الاستعمالين لمفهوم "ثقافة".
ولا بد أن أوضح هذه القضايا عبر تحليل بعض التعاليق لمفكر سياسي بجمايكا ريكس
نيتلفورد في خطبة ألقاها سنة 1983 في إحدى الملتقيات السياسية الحزبية لحزب يطلق
على نفسه الحزب الوطني الشعبي. ولما أعيد طبع الخطاب حمل عنوان بناء دولة،
تشكيل مجتمع. وقد أراد نيتلفورد التأكيد على أهمية "الحس التاريخي"
في بناء الدول ضد أولئك الذين "يعلمون شبابنا أن ليس لهم تاريخ يستحق
الدراسة، بل لهم مستقبل فقط.. يتوقع منهم أن يقتحموه". وهذا ما قاله نيتلفورد
في هذا الصدد:
""أسود"
لا تعني بالأساس السحنة في تاريخ الأمريكتين. إنها تعني الثقافة-ثقافة نسجت عبر
الاحتكاك بين ملايين الأفارقة الغربيين الذي جلبوا كعبيد وملايين الأوروبيين الذي
نزحوا كأسياد وكعمال مستوطنين أو متعاقدين. ففي جمايكا ومنطقة الكرايبي تكون جوهر
الحياة الأهلية الحقة، بكل مكوناتها، من الجهود المبكرة الناجمة عن معاناة
الأغلبية السوداء في التكيف مع محيطها الجديد ولكي تحافظ على البقاء. لقد كان ذلك
نضالا ذا طابع أولي وأساسي، وهذا النضال هو ما تم إنكار مكانته الخاصة في عبقرية
الأمة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذا المجتمع. وأعني تبييض العبقرية وهي
محاولة متواصلة في الدوائر الرسمية والمختلطة لازدراء ثمار عمال شعبنا، ولجوء
منافق إلى استغلال شعارنا الوطني من طرف أولئك الذين يفضلون التأكيد على كلمة "كثرة"
ما دام "واحد" قد يعني بالنسبة إليهم الأغلبية. فعبارة "كشعب
واحد" تصبح "كرجل واحد" وهكذا يتم الحفاظ على تعددية البلد
وانقسامه إلى أغلبية مهمشة ستبقى مهمشة وأقلية محظوظة (ومن بينهم العديد "من
الملونين") ممسكين بمقاليد السلطة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في
البلد.
والحقيقة الواقعية هي
أن أفراد شعبنا مما نريد أن نتصور: لسنا من أولئك العنصريين السذج لكننا لسنا
أغبياء لكي لا نكون واعين بعنصرنا. وعل هذا التأرجح الهش للحساسيات تقوم الحنكة
الغير عادية لطبقات هذا الشعب. إن هذه الحنكة لا تضلل فقط زعماءا بل حتى أولئك
الذين يقولون في الخارج بأنهم يريدون مساعدتنا. فشعبنا الذي ناضل خلال قرون يعرف
أن "ما يطابق مقتضى الحال اليوم ليس فقط التحرر من الاضطهاد الأجنبي (الذي
نستطيع مقاومته بطرقنا البدائية) بل أن تخلق في هذا البلد أطرا سياسية واقتصادية
اجتماعية تتناسب مع القيم السامية للشخصية الإنسانية". إننا متشبتون جدا
بشخصيتنا وباعترافنا بذاتنا وبوضعنا ونشك في أي طبقة من الناس داخل أو خارج بلدنا
ستعمل على الاتفاق مع زعيم لقطاع خاص جمايكي كان مؤثرا فيما مضى والذي بانتقاده
لسياسات نظام معين في الماضي القريب قال بأنه خلال عقد السبعينات "تم اختزال
ثقافتنا الوطنية الغنية وتقليصها لتناسب المفهوم الضيق لثقافة سوداء حية".
لقد قال هذا في بلد تتشبث فيه الأغلبية الساحقة بهذه "الثقافة". فكل ما
يعكس صورة الأغلبية هو "اختزال" و"تقليص"! إننا لا نستطيع
تشكيل مجتمع أو بناء أمة مع وجود مثل هذه المعتقدات خاصة إذا كانت موجودة عند
أولئك الماسكين بمقاليد الأمور؛ ولهذا أناشد هذا المؤتمر بأن ينظر بجدية في هذه
القضايا" (نيتلفورد، 1986، ص9-10).
لاحظ في هذا التحليل
أن تعريف كلمة ثقافة مركزي. ونيتلفورد يريد بناء وتشكيل كيان يطلق عليه أمة أو
مجتمعا. هذه، بالطبع، لغة نموذجية. ويبدو أنه يشير إلى الثقافة (في الاستعمال
الأول) وهو استعمال يفترض أنه يؤكد على الكيفيات التي يكون عليها الجمايكيون. لكنه
ما طفق ينظر إلى الآخرين "الموجودين ضمن الماسكين بمقاليد الأمور "لنفس
هذه البلاد جمايكا والذين يزعمون أيضا أنهم يسعون إلى القيام بنفس الشيء".
ويبدو أن كلتا
المجموعتين توظفان الشعار الوطني "كشعب واحد" للإشارة إلى أشياء مختلفة.
فأولئك الذين يدعوهم نيتلفورد "الأقلية المحظوظة" تؤكد على
"التعددية" بـ (التحرر من القمع الأجنبي) وتؤكد على الوحدة بدون التحرر
منه. ويرى نيتلفورد أن ذلك يتجاهل كلية "الأغلبية السوداء التي هي
مهمشة" والتي تبحث عن "خلق إطارات سامية واقتصادية واجتماعية داخل
جمايكا والتي تمنح قيما سياسية للشخصية الإنسانية" (الشيء الذي قد يعني زيادة
في المساواة الاقتصادية والاجتماعية).
كيف تقوم الأقلية
المحظوظة بذلك؟ عبر "تبييض عبقرية الأمة" وعبر التأكيد الريائي على
"الكثيرين" في الشعار الوطني وعبر فشلها في فهم (واقع لا ينتمي إلى
تاريخ جمايكا بل إلى تاريخ الأمريكتين وبالتالي إلى تاريخ النظام العالمي). يتمثل
هذا الواقع في أن "ملايين الأفارقة الغربيين كانوا قد جلبوا كعبيد" في
حين أن "ملايين الأوربيين… قد جاءوا كأسياد وكعمال مستوطنين أو
متعاقدين". وإن الاحتكاكات التاريخية بين هاتين الجماعيتن "في جمايكا
ومنطقة الكاريي" قد خلقت "لحمة الحياة الأهلية الحقة".
و"أسود" هو تعبير عن الناتج "ثقافة" التي هي حية: وليست
"اختزالا" أو "تقليصا".
والذي يقال في
النهاية هو أن التأكيد على أن "السواد" باعتباره مكونا لـ
"الثقافة" الوطنية الجمايكية (والثقافة هنا في الاستعمال الأول) هو
الصيغة التي يمكن "للأغلبية المهمشة" أن تأمل بواسطتها في حماية ذاتها
من مزاعم "الأقلية المترفة" التي تدعي أنها تمثل "ثقافة"
سامية (في الاستعمال الثاني). ومن تمة فما يبدو خصوصيا على مستوى النظام العالمي
(السواد) يصلح لتأكيد موضوع كوني (القيم السامية للشخصية الإنسانية). وكما يقول
نيتلفورد فهذا يعني "وعيا عنصريا" ولكنه ليس "تمييزا عنصريا"
يتطلب كما يقر هو بذلك "تأرجحا هشا للحساسيات". وفي هذا التعليل المعقد
الذي يبدو لي سليما بقدر ما تظهر جمايكا من "سواد" بقدر ما تظهر من عمى
الألوان (أو قيما إنسانية).
نعم ربما تجيبون بأن
الأمر قد يكون كذلك، ولكن أين تنتهي هذه الحجة؟ عند أية نقطة نقطع حاجز
"الوعي العنصري" نحو "التمييز العنصري"؟ ذلك لأن هناك العديد
من الحالات البارزة في مختلف أنحاء العالم ينظر فيها إلى التأكيد على
"ثقافة" خاصة بـ"الأغلبية" (الوطنية) على أنه إقصاء لثقافة
الأقلية أو الأقليات. أفلا ينظر إليه باعتباره تضييقا للخناق؟ أليس للبروطون مطالب
"ثقافية" في فرنسا: وللسويديين في فنلندا، وللأينو في اليابان، وللطاميل
في سيرلانكا وللأكراد في تركيا وللهنغاريين في رومانيا؟
قد يتفق نيتلفورد –لا
أعلم ذلك- على أن كل هذه الجماعات الأخيرة لها مطالب شرعية لتأكيدها
"الثقافي" ومع ذلك سيظل يعلل أن الواقع في جمايكا يختلف تاريخيا. لماذا؟
خصوصا لأن الأغلبية في جمايكا كانت هي "المهمشة" تاريخيا وليس مختلف
"الأقليات". وما دام الأمر صحيحا فإن الزنجية أو أية خصوصية مشابهة قد
تصلح لنفي النفي كما برهن على ذلك سارتر(1949) في أورفيوس الأسود(1).
ما يسعفنا به استشهاد
نيتلفورد هو تبيان إلى أي حد تتشابك خيوط الجدل الثقافي في الاقتصاد الرأسمالي
العالمي، وأيضا كيف تحفه المصاعب وبالتالي إلى أي حد نحتاج لأن نكون حذرين إذا كنا
نسعى إلى فهم وتقييم ساحة الصراع الإيديولوجي هذه.
ـ
IV
ـ
سأحاول أخذ كل واحدة
من تلك التناقضات الست التي يعرفها الاقتصاد الرأسمالي العالمي لأبين كيف تساعد
إيديولوجيات العولمة والعنصرية الجنسية احتواء كل واحدة من هذه المتناقضات ومن ثم
لماذا كانت الإيديولوجيتان ثنائيا متكاملا.
1 ـ بما أن الاقتصاد
الرأسمالي العالمي هو نظام عالمي توسع الآن ليشمل الكرة الأرضية قاطبة فمن السهل
معرفة كيف تعكس العولمة هذه الظاهرة وأنها كانت بالمقابل التفسير الأوضح الذي قدمه
الإيديولوجيون. لدينا اليوم شبكة بنيات هيئة الأمم القائمة نظريا على الإعلان
العالمي لحقوق الإنسان المؤكد على وجود قانون دولي وعلى وجود قيم تشترك فيها
الإنسانية جمعاء. ولدينا زمن كوني ومقاييس للمكان ولدينا مجتمع علمي يثبت القوانين
الكونية. هذه الظاهرة ليست مقصورة على القرن العشرين. فالعلم الكوني قد أعلن عن نفسه
سابقا في القرن السادس عشر وربما قبل ذلك بكثير. فهذا غروتيوس يكتب عن
"قوانين البحار" الكونية في النصف الأول من القرن السابع عشر، وهلم جرا.
وفي الوقت نفسه،
طبعا، أخذت تقوم شبكة من "الدول ذات السيادة" لها حدود ترابية محددة
المعالم ولها قوانين وطنية وجمعيات ولغات وجوازات سفر ورايات ونقود وفوق كل ذلك
لها مواطنون. فكل اليابسة فوق الكرة الأرضية قد أشبعت تقسيما بين مثل هذه الوحدات
التي يفوق عددها اليوم مائة وخمسين دولة.
هناك طريقتان يمكننا
أن نعتبر بها هذه البلدان المائة وخمسين أو أكثر دولا ذات سيادة. ويمكننا أن ننظر
إليها كمؤسسات قوية جدا وسبب وجودها هو تحديد صلاحية القوانين الدولية. فالسيادة
تعني نظريا الحق في ممارسة ما تقرر السلطات الداخلية القيام به داخل حدود البلد
(والتي يخولها الدستور حق ذلك). لكن وفي نفس الوقت بالطبع فهذه المائة وخمسين أو
أكثر من الوحدات هي اختزال كبير النسبة لعدد السلطات السياسية (إذا شئنا استعمال
مصطلح فضفاض) التي كانت موجودة في العالم حوالي 1450. ومعظم هذه المائة وخمسين أو
أكثر تغطي منطقة كانت في سنة 1450 تشتمل على أكثر من سلطة سياسية. وبالتالي فمعظم
هذه الدول ذات السيادة تواجه معضلة كيفية معالجة "التوليف" التاريخي بين
ما كان سابقا كيانات منفصلة، كانت جميعها وبدون استثناء تقوم بذلك على مبدإ
المواطنة وهو مبدأ ما يزال يؤكد اليوم على أن كل الأشخاص الذين ولدوا بهذا البلد
هم مواطنون (بالإضافة إلى بعض الآخرين) وأن كل هؤلاء المواطنين يتمتعون بنفس
الحقوق المتساوية. (والاستثناء الأكثر شهرة كان هو جنوب أفريقيا باعتبارها دولة
كانت ترفض الاعتراف بشرعية نظرية المواطنة هذه واعتبرت لهذا السبب فضيحة دولية).
ثم إن كل دولة تعلن مساواة المواطنين عالميا وأن كل الدول إجمالا تقبل هذا المبدأ
كنوع من القانون الأخلاقي العالمي.
يمكننا أن نؤكد، إذا
شئنا، على أن مبدأ العولمة سواء على مستوى العالم قاطبة أو على مستوى كل دولة ذات
سيادة والتي تشكل النظام الدولي ليس سوى تأكيد مرائي. وذلك يرجع بوضوح إلى أن تمة
في الواقع تراتبية للدول داخل النظام الدولي وتراتبية للمواطنين داخل كل بلد ذي
سيادة وهو ما تهتم به إيديولوجيا العولمة. إنها تصلح من جهة كتلطيف وخداع ومن جهة
ثانية كثقل سياسي مضاد قد يلجأ إليه الضعيف ويستعمله ضد القوي.
لكن العنصرية-الجنسية
كإيديولوجيا تصلح وبنفس الأهمية لاحتواء التناقض الملازم لبناء الدول ذات السيادة
داخل نظام دولي يحتوي على تقسيم واحد للعمل. ولأن العنصرية-الجنسية هي بالضبط ما
يضفي الشرعية على التفاوتات الفعلية والتراتبيات الدائمة الوجود (إن لم تكن في
تحول دائم) سواء داخل النظام الدولي ككل أو داخل كل دولة ذات سيادة. إننا نعلم أن
الأشخاص الملونين قد أخضعوا لاستعمار رسمي مثلما أخضعوا كعمال عبيد خلال تاريخ هذا
النظام. إننا نعرف بوجود العديد من أشكال الفصل العنصري الرسمي المتعلق بتنقل
الأشخاص. ونعرف أن هذه الظواهر بررتها النظريات العنصرية التي تقوم أحيانا على
أشباه العلوم (وبذلك تخضع لإيديولوجيا العولمة) وأحيانا تقوم على أحكام مسبقة
مغالية كما هو الشأن في شائعة الخطر الأصفر التي انتشرت في المناطق البيضاء في كل
أرجاء العالم مع بداية القرن العشرين.
وعلى مستوى الدولة
كانت ظاهرة التبرير العنصري لتراتبية سياسية واقتصادية واجتماعية داخليا جد مألوفة
إلى حد أنها نادرا ما كانت تستحق الذكر. وأود أن أشير إلى مسألتين فقط. عندما تكون
التراتبيات الداخلية غير قائمة على لون البشرة فإنها كانت تقوم على الدوام على
مقاييس أخرى خاصة مثلما هو الأمر في إرلندا الشمالية. وثانيا كانت الإيديولوجيا
العنصرية في كل مكان –في كل دولة على حدة وفي النظام الدولي ككل- تكتسي نفس
الطابع. وكان يتم تبرير أن الجماعة تكون دونية سواء وراثيا أو "ثقافيا"
(لاحظنا معنى الثقافة في الاستعمال الثاني) بالنسبة لجماعة أخرى بكيفية تجعل
الجماعة الدونية المزعومة لا يتوقع منها إنجاز نفس المهام التي تقوم بها الجماعة
التي يزعم أنها متفوقة. ويزعم أن ذلك سيبقى صحيحا إلى الأبد أو على الأقل لفترة
طويلة جدا في المستقبل (معلق بمراعاة أخرى لمذهب العولمة ببعض السيرورات التربوية
الطويلة المدى).
هكذا استخدمت
العنصرية كما يعرف الجميع لتبرير هذه التراتبيات. لكن ماذا عن الجنسية؟ نعم، والجنسية
هي الأخرى بررت التراتبيات وبطريقتين: الأولى إذا ما فحص المرء مصطلح عنصرية سوف
يجد أنه يغلف دوما بلغة جنسية. فـ"العنصر" الأعلى يعتبر أكثر ذكورة
والأدنى أكثر أنوثة. فلكأن الجنسية أكثر تجذرا من العنصرية. وفي الوقت الذي تفشل
فيه إيديولوجية عنصرية خالصة في الإقناع فإن الإيديولوجيين يستطيعون إيجاد الحجة
الدامغة عبر إضافة مسحات جنسية عليها. وهكذا نسمع حججا من قبيل أن الجماعة
المهيمنة أكثر عقلانية وأكثر انضباطا وأكثر قدرة على العمل الذؤوب وأكثر قدرة على
ضبط النفس وأكثر استقلالا في حين أن الجماعة الخاضعة تكون أكثر عاطفة وأكثر
انقيادا للشهوات وأكثر كسلا وأكثر موهبة في الفنون وأكثر تبعية. وهذه بالطبع من
نفس المجموعة الخصائص التي تزعم الإيديولوجية الجنسية أنها تميز الرجال عن النساء.
هناك طريقة أخرى
تتساوق فيها العنصرية والجنسية. فالجماعة العنصرية الخاضعة والتي يزعم أنها أكثر
انقيادا للشهوات ينظر إليها على أنها أكثر عدوانية جنسيا (وأكثر توحدا جنسيا
أيضا). فذكور الجماعة الخاضعة يمثلون بالتالي تهديدا لإناث الجماعة المهيمنة على
الرغم من أن النساء وليس الرجال هن إلى حد ما أكثر "ضبطا للذات" من ذكور
الجماعة الخاضعة. وما دمن مع ذلك أضعف بنية لأنهن نساء فهن يحتجن بالتالي إلى
حماية جسدية نشيطة من ذكور الجماعة المهيمنة.
ثم إننا نستطيع قلب
هذه الحجة الجنسية وتبقى مع ذلك مبررة للتراتبيات الدولية. والآن وقد حصلت النساء
على الكثير من الحقوق ومن مختلف الأنواع في البلدان الغربية نتيجة التطورات
السياسية الأخيرة، فإن واقع كونها لم تحدث نفس الأثر سياسيا في دول العالم الثالث
خاصة تلك البلدان التي تمارس إسلاما متشددا، يصبح بدوره تبريرا إضافيا
للإيديولوجيا العنصرية. فالمسلمون كما تبث ليسوا قادرين ثقافيا على الاعتراف بنفس
المبادئ الكونية التي تهم علاقة الرجل بالمرأة والتي تعتبر مقبولة في العالم
الغربي (أو المسيحي/اليهودي) ومن هنا يعتبرون بهذا التعاطي قادرين على القيام أيضا
بأشياء أخرى كثيرة.
2 ـ لقد أشرنا إلى أن
التوسع التاريخي للاقتصاد الرأسمالي العالمي الذي ظهر أول ما ظهر في أوروبا ليشمل
مناطق أخرى من الكرة الأرضية خلق تناقض التحديث في مقابل التغريب. إن أبسط طريقة
لحل هذه المعضلة كان هو التأكيد على كونهما متطابقين. وبقدر ما "تتغرب"
آسيا أو إفريقيا فإنها "تتعصرن". هذا يعني أن أبسط حل هو تبرير أن
الثقافة الغربية هي في الواقع ثقافة عالمية. لقد راوحت الإيديولوجيا ولزمن طويل
هذا المستوى البسيط سواء اتخذت شكل تبشير مسيحي أو "رسالة تمدين"
للإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية.
وقد اتخذت طبعا في
بعض الأحيان الشكل الأكثر تطورا لتبرير أن الحضارة الغربية وحدها من بين كل حضارات
العالم قادرة بكيفية ما على الانتقال من شكل ما قبل حديث إلى الحداثة. وهذا ما قام
الاستشراق بعرضه وبوضوح باعتباره مبحثا. فالمستشرقون اقترحوا أيضا أن هذه الثقافات
الشرقية الرفيعة المجللة بشرعية الخصوصية –الإسلام أو الهند أو الصين -تمثل ثقافة
معقدة ورفيعة لا يسع الغربي إلا أن يقدرها حق قدرها بعد دراسة طويلة وصعبة وودية-
قد تجمعت تاريخيا ولا يمكنها أن تتطور وبالتالي لا يمكن "تدميرها" إلا
من الخارج. فمختلف صيغ النظرية الأنطربولوجية –كالبحث عن الثقافة في حالتها الأولى
قبل الاحتكاك بل وقبل التمييز الشامل أيضا للأنطربولوجيا البنيوية بين الثقافات
الباردة والحارة- قد أدى إلى نفس النتائج. فالغرب دخل الحداثة أما الآخرون فلم
يدخلوها. وبالتالي يتحتم على كل من يريد أن يصبح "عصريا" أن يصبح
"غربي" الثقافة بكيفية ما. فإن لم يستطع الإيمان بالديانات الغربية
فعليه أن يتمثل اللغات الغربية وإن لم تكن اللغات الغربية فعليه كحد أدنى أن يقبل
التكنولوجيا الغربية التي يقال عنها بأنها تقوم على المبادئ الكونية للعلم.
لكن وفي نفس هذا
الوقت الذي يبشر فيه إيديولوجيو العولمة بمزايا التغريب أو "التمثيل"
فإنهم (والآخرون يحذون حذوهم) يمجدون أيضا الوجود الأبدي وفضيلة الاختلاف. وهكذا
فالخطاب المعولم للتعدد الثقافي يمكن أن يصلح كتبرير لتربية مختلف الجماعات
"طبق ثقافتها" المنعزلة وبالتالي إعدادها للقيام بمهام مختلفة في
الاقتصاد الأوحد. ولذلك فالصيغة الأكثر غلوا والمنظرة بوضوح هي نظام الفصل
العنصري. لكن الصيغ الأكثر اعتدالا وقد تكون أقل انسجاما في تمفصلها قد انتشرت على
نطاق واسع داخل النظام.
وفوق ذلك يمكن تبرير
العنصرية والجنسية برفض التغريب الذي قد يتخذ شكل إضفاء المشروعية على المواقف
الإيديولوجية للأهليين (والتي يطلق عليها بعث التقاليد) والتي تتضمن مواضيع جنسية
وعنصرية لا غبار عليها. وهي اللحظة التي يصبح لدينا فيها تبرير متجدد للتراتبية
على نطاق العالم. يصبح من المشروع التعامل مع إيران كدولة منبوذة ليس فقط لأن
إيران تستعمل تكتيكات "إرهابية" في الساحة الدولية بل لأن النساء
الإيرانيات مجبرات على ارتداء التشادور.
3 ـ إن مشكلة الحصول
على عمال يبذلون في العمل وبأجر زهيد لهو مشكل عويص. إنه يعاكس طبيعة المصالح
الذاتية. وبالتالي فالسؤال المطروح هو ما إذا كان هناك حافز إيديولوجي قد يساعد
على تحقيق هذا الهدف المتناقض لعالم الرأسمال. لنر بأية كيفية تخدم العولمة
والعنصرية-الجنسية هذه الغاية.
يمكن أن تصبح العولمة
كتحفيز على العمل الدؤوب ما دامت أخلاقية العمل ممجدة باعتبارها الواسطة المحددة
للحداثة. إن أولئك الفاعلين الذين يكرسون أنفسهم لعلمهم يجسدون قيمة ذات مزية
كونية كما يزعم أنها مفيدة اجتماعيا للجميع. ليس هذا صحيح على المستوى الفردي فحسب
بل وعلى المستوى الجماعي. وهكذا فالدول التي هي أدنى في تراتبية النظام الدولي،
والجماعات الدنيا في تراتبية الدول مطالبة بتجاوز عائق الوضع الأدنى وذلك عبر
الالتحاق بالروح الكونية. فعندما يصبح الأفراد والجماعات قادرين على
"المنافسة" في السوق يمكنهم الحصول على ما حصل عليه الآخرون قبلهم ومن
ثمة سوف يحققون المساواة ذات يوم. وحتى ذلك الوقت لا مفر من اللامساواة.
وهكذا فأخلاق العمل
الكونية تبرر كل هذه التفاوتات الحاصلة ما دامت علة أصلها نابعة من التفاوت
التاريخي في تبنيها من طرف مختلف الجماعات التي يحركها هذا الدافع. فالدول التي هي
أحسن حالا من أخرى، والجماعات التي هي أحسن حالا من جماعات أخرى، قد حققت هذه
الأفضلية من خلال التزام صارم ومبكر وقوي بأخلاق العمل الكونية. وعلى العكس من
ذلك، فالذين هم أسوأ حالا وبالتالي أولئك الذين يتقاضون أجرا أقل يحتلون هذا الوضع
لأنهم يستحقونه. ولهذا فوجود تفاوت في المداخيل لا يصبح أبدا مثالا شاهدا على
العنصرية-الجنسية فبالأحرى معيارا عالميا لمكافأة الفعالية. وأولئك الذين لديهم
القليل يملكون القليل لأنهم لم يكسبوا سوى القليل.
لكن العنصرية
والجنسية تكملان هذه النظرية المتعولمة بشكل جيد. فعندما تصبح العنصرية والجنسية
متمأسستين فهما تخلقان تلازما متينا بين وضع الجماعة الدنيا وبين الدخل المنخفض.
وهكذا فأولئك الذين يحتلون أسفل يسهل التعرف عليهم بواسطة ما يصطلح عليه المعيار
الثقافي (فلتكن الثقافة ولكن في الاستعمال الثاني). والثقافة (في الاستعمال الثاني)
تصبح الآن تعليلا للقضية. فالسود والنساء يتقاضون اقل لأنهم لا يبذلون في العمل
سوى جهدا أقل؛ ذلك لأن هناك شيئا ما، إن لم يكن في جسمهم فعلى الأقل يوجد في
"ثقافتهم" وهو ما يلقنهم قيما تتنافى مع روح العمل الدولية.
وبالإضافة إلى ذلك
يمكننا تجنيد الجماعات الخاضعة لقمعها الذاتي. وما دامت تزرع اختلافها كجماعات
"ثقافية"، وهي صيغة من صيغ الاستنفار السياسي ضد وضع لا متساوي، فهي من
تمة تنشئ أعضاءها على تعبيرات ثقافية تميزهم عن الجماعة الخاضعة ومن ثمة تنشئهم
على الأقل على قيم تنسب إليهم من طرف نظريات عنصرية وجنسية. وهم يقومون بذلك، بحسب
مفارقة ظاهرية، على أساس مبدأ كوني للصلاحية المتساوية لكل التعابير الثقافية.
4 ـ والحداثة
باعتبارها موضوعا مركزيا متعولما تعطي الأولوية للجدة وللتغير وللتقدم. وعلى مر
العصور استمدت الأنظمة السياسية شرعيتها بالتحديد من مبدإ مناقض ألا وهو العراقة
والاستمرارية والتقليد. كان هناك توجه للشرعية في صيغها ما قبل حديثة والتي لم يعد
لها وجود قط. فالشرعية السياسية هدف محفوف بكثير من الغموض ضمن وقائع الاقتصاد
الرأسمالي العالمي؛ بيد أن الدول، طبعا، تحاول تحقيقها باستمرار. وبعض درجات
الشرعية تعد عنصرا حاسما في استقرار كل الأنظمة.
ولهذا السبب يمكن
للثقافة (الاستعمال الأول) أن تكون خير معين. لأنه في ظل غياب الشرعية المشخصة
للأنظمة الأرستقراطية الملكية حيث تعين السلطة الفعلية عادة حدود الشرعية فإن
الجماعة المتخيلة ذات روح جماعية و"أمة" مفترضة تضرب بجذورها في الماضي
هي البديل السحري. لم يعرف تاريخ الاقتصاد الرأسمالي العالمي سوى حكومات قليلة
فشلت في اكتشاف قوة الغيرة الوطنية لتحقيق الوئام. وهكذا تم توطيد الغيرة الوطنية
باستمرار أو تحويلها إلى نزعة عنصرية (النعرة الشوفينية، معارضة المواطن للغريب أو
المهاجر) وإلى نزعة جنسية (افتراض الشجاعة في طبيعة الذكور).
لكن وبتواتر صعود
الأمم وأفولها في العالم الحقيقي للاقتصاد الرأسمالي العالمي لا تقدم تشكيلة
متنوعة من النعرات الوطنية سوى القليل عن كيفية تعليل ما يتعلق بالخاسرين في
التحولات الدورية بشكل خاص. هنا إذن، يتم استرجاع الشرعية باللجوء إلى المبادئ
المتعولمة المتعلقة بالتغير الاجتماعي والسياسي المناسب من خلال تغيير بنية الدولة
("ثورة") سوف يجعل من التطور الوطني أمرا ممكنا (لأول مرة أو لثانيها).
ثم باللجوء إلى الثقافة (في الاستعمال الثاني) يمكن للعناصر المتقدمة للأمة أن تضع
الدولة في مسار التقدم الكوني.
تعمل مثل هذه
الثورات، بالطبع، على استعادة (أو خلق) الشرعية من خلال البحث عن تغيير وضع الدولة
بكيفية معقولة في سلم تراتبية النظام العالمي. وإذا فشلت في تحقيق ذلك تستطيع
الثورة خلق تقليدها الخاص عن نفسها ثم تربط هذا التقدير الذاتي ربما بتاريخ للدولة
معدل إلا أنه يظل متخيلا. وعليه إذا كانت الثقافة (الاستعمال الثاني) غير فعالة أو
تميل إلى أن تصبح كذلك يمكن للمرء أن يلجأ إلى (الاستعمال الأول) للثقافة.
5 ـ إن الاقتصاد
الرأسمالي العالمي لا يتميز فقط بمجرد توزيع غير متساوي للمكافأة. إنه موضع
استقطاب متزايد للمكافأة عبر الزمن التاريخي. هنا يوجد عدم تناسب بين الوضع على
مستوى الاقتصاد العالمي ككل وبين الوضع على مستوى الدول ذات السيادة كلا على حدة
والتي تشكل النظام الدولي. وفي الوقت الذي يبدو فيه واضحا أن الفجوة في المداخيل
على مستوى النظام الدولي بين الدول التي توجد في قمة التراتب وبين تلك التي توجد
في أسفله تعرف اتساعا بل إنها اتسعت اتساعا هائلا مع مرور الوقت فإن ذلك لا يستتبع
بالضرورة صحته داخل بنية كل دولة. ومع ذلك، فهذا أيضا شأن إحدى المبررات الأخلاقية
للاقتصاد الرأسمالي العالمي وهي تلك التي نستخدم في تبرير العمل الذؤوب بأجر منخفض
(هذا الموضوع سيناقش في القسم الموالي) وهذا يعني أن التفاوتات في المكافأة قد
أخذت تتناقص مع مرور الوقت وأن مثل هذه التفاوتات كما هي في الواقع ظواهر انتقالية
عارضة في طريقها نحو مستقبل أكثر رفاهية وأكثر عدلا.
ها نحن، مرة أخرى،
أمام تنافر فج بين الإيديولوجيا الرسمية والواقع الاختباري. كيف يتم احتواء ذلك؟
إن الخط الأمامي للدفاع كان على الدوام هو الإنكار. وكان ارتفاع مستوى العيش
الأسطورة المركزية لهذا النظام الكوني، قد تم دعمه سواء من طرف الحسابات البارعة المتوفرة
بواسطة استحضار الإيديولوجيتين المزدوجتين العولمة والعنصرية-الجنسية.
إن توفير الحسابات
البارعة سهل للغاية. إنها على صعيد العالم تتشكل أولا وقبل كل شيء من الحديث عن
الرقم الأعلى في الكسر وليس عن الرقم الأسفل منه، مع تجاهل تشتت المنحنى. إننا
نتحدث عن الرقم الأعلى في الكسر عندما نريد قراءة توسع حجم الإنتاج العالمي أو
القيمة الكلية المنتجة في حين نفشل في تقسيمه على مجموع سكان العالم. وفي الوقت
الذي نحلل فيه نوعية الحياة عبر ملاحظة بعض المبادلات الخطية والفشل في احتساب
أخرى فإننا نقيس سن الوفيات أو سرعة السفر وليس الوسيط الحسابي لساعات العمل في
السنة أو في العمر أو ضمن الشروط البيئية.
لكن البراعة الحقيقية
هي الانخراط في إجراءات وطنية بدل إجراءات كونية تقحم خداعا مزدوجا. بادئ ذي بدء
ففي نظام عالمي متفاوت واستقطابي هناك أيضا تشتت جغرافي. ولهذا فمن الممكن جدا
بالنسبة لدخل حقيقي كما هو مقاس من خلال نصيب الفرد من الناتج الوطني الإجمالي أن
يعني الارتفاع في بعض البلدان في حين ينخفض في أخرى وفي النظام ككل. لكن مادامت
البلدان التي يحدث فيها هذا الارتفاع هي التي تتكثف عليها الدراسات والمعاينات فمن
السهل فهم كم هي هشة بل ومزورة هذه التعميمات التي ترسخت. وبالإضافة إلى ذلك، ورغم
حصافة النظام الإحصائي لمثل هذه البلدان الأساسية فإن ما لا يمكن إنكاره هو الحالة
التي لم يحصوها باقتدار ألا وهي عنصر اللامواطن من السكان (وهو في الغالب ساكن غير
شرعي). وما دام هو المكون الأفقر فالتحيز واضح.
ثم إن سوء إدراك
الواقع ليس سوى الخط الدفاعي الأول وهو الذي تزداد صعوبة الإبقاء عليه. وهكذا وفي
غضون الخمسين سنة الفارطة تمت إقامة خطاطة "تنموية" لكل بقاع العالم
وترويجها والتي تضفي الشرعية على الاستقطاب. ومن خلال هذه النقطة يمكنك أن تتحقق
من كيفية تكرار نموذج التبرير الإيديولوجي. وبادئ ذي بدء هناك الموضوع المعولم. كل
الدول يمكنها أن تتنمى وكل الدول يتوجب عليها أن تتنمى. ثم تأتي بعد ذلك الموضوعات
العنصرية. فإذ كانت بعض البلدان قد تطورت مبكرا وأسرع من أخرى فذلك لأنها قامت
بفعل شيء وتصرفت بكيفية مغايرة إلى حد ما. لقد كانت أكثر فردانية أو أكثر قدرة على
مباشرة المشاريع أو أكثر عقلانية أو "حداثة" إلى حد ما. وإذا كانت دول
أخرى قد تطورت ببطء شديد فلأن هناك عائقا في ثقافتها (الاستعمال الأول على مستوى
الدولة، والاستعمال الثاني على مستوى العالم) منعها أو بالأحرى عرقلها إلى حد بعيد
في أن تصبح "حديثة" مثل باقي البلدان.
وهكذا سيتواصل تأرجح
التفسير الإيديولوجي في المستقبل المنظور. وما دامت كل البلدان تستطيع أن تتطور
فكيف تستطيع الدول المتخلفة أن تتطور؟ إنها بكيفية ما تتطور بواسطة نسخ نماذج تلك
التي تطورت سابقا يعني عبر تبني الثقافة الكونية للعالم الحديث بمساعدة تلك التي
أصبحت أكثر تطورا (الثقافة الأعلى في الوقت الحاضر؛ الاستعمال الثاني). فإن لم
تحقق رغم هذه المساعدة أي تقدم أو حققت تقدما طفيفا فذلك يرجع إلى كونها
"عنصرية" برفضها القيم "الحديثة" الكونية التي هي ما يبرر كون
الدول "المتقدمة" تستهين بها أو أنها تتكرم عليها بأريحيتها. وكل محاولة
تقوم بها دولة "متقدمة" لفهم التخلف بمعنى مغاير للرفض الاختياري
"للتحديث" تتهم بأنها نزعة عالمثالثية أو عنصرية معكوسة أو لا عقلانية.
وهذا نظام تبريري محكم ما دام "يلوم الضحية" وبالتالي يتنكر للواقع.
6 ـ وأخيرا لنعد إلى
تناقض اللامحدودية والموت العضوي. فكل نظرية تدافع عن التوسع اللامحدود ليست سوى
تبشيرا بجنة مقامرة. ففي العالم الواقعي غير ممكنة الحدوث. وعلاوة على ذلك، ففي
المدى المحدود الذي يبدو فيه أن النظرية تنطبق على الواقع القائم في الاقتصاد
الرأسمالي العالمي كنظام علمي فهي على ما يظهر لا تنطبق على وقائع الدول متفقة.
فحتى الدول الأقوى والأكثر ثراء، قد صعدت وأفلت. إننا نعيش حاليا بدايات الأفول
النسبي الطويل المدى للولايات المتحدة التي بقيت منذ وقت وجيز القوة المهيمنة على
النظام العالمي.
وهكذا يتوجب على
النظام العالمي ككل أن يتعاطى مع موته الممكن الحدوث، ومن خلال النظام الجاري
يتوجب على الدول القوية أن تتعاطى مع مشكل أفولها النسبي. والمشكلان مختلفان جدا
لكنهما على الدوام يتداخلان ويلتبسان. تمة من حيث الجوهر طريقتان للتعاطي مع الموت
أو الأفول: إما إنكارهما أو الترحيب بالتغيير.
وبالإضافة إلى ذلك،
فإن العولمة والعنصرية-الجنسية كلتاهما إيديولوجيتان محافظتان تفيان بالغرض. وبادئ
ذي بدء فالإيديولوجية العنصرية-الجنسية تصلح لدعم الإنكار. فالموت أو الأفول هو في
أحسن الأحوال وهم مؤقت تسبب فيه الزعامة الضعيفة المؤقتة لأنه وفقا للقاعدة يقال
لا يمكنه الحدوث أخذا بعين الاعتبار قوة أو تفوق الثقافة المهيمنة (الاستعمال
الثاني). فإذ كان ذلك يحدث حقا فلأن الثقافة (الاستعمال الأول) قد تركت المكان
لنزعة إنسانية عالمية مخيبة للأمل في خلق ثقافة عالمية (الاستعمال الأول). وهكذا
يزعم بأن الموت أو الأفول الذي أصبح الآن مقرا به قد يكون حادثا وهو يرجع إلى
تأكيد غير كاف على الثقافة (الاستعمال الثاني) وبالتالي على الإقرار بالحقوق
السياسية للجماعات العرقية "الدنيا" أو "النساء". في هذه
الصيغة الإيديولوجية يمكن قلب الموت أو الأفول لكن فقط بقلب الإيديولوجية العنصرية
الجنسية الأكثر وضوحا. وعموما فهذا هو موضوع ما نطلق عليه اليوم اليمين المستحدث
أو المتطرف خلال القرن العشرين.
لكن هناك صيغة معولمة
لهذا الاختبار المحط إنكار. فالموت أو الأفول قد لا تتسبب فيه أو لا تكون علته الأولى
النزعة المساواتية السياسية المتنامية بل أسهمت فيه بالأحرى النزعة المساواتية
الثقافية المتنامية. إن إنكار تفوق النخبة العلمية وبالتالي حقها المنطقي في إملاء
السياسة العامة إن هو إلا نتيجة لإنكار لا عقلاني متناقض للثقافة العالمية
(الاستعمال الأول) ولحاملي الثقافة في كل بقاع العالم (الاستعمال الثاني). إن
المطالبات بمراقبة شعبية للنخبة التكنوقراطية هو مطالبة "بليل السكاكين
الطويلة" وهو عودة إلى "البدائية" ما قبل حديثة. هذا هو لب ما
يطلب عليه اليوم النزعة المحافظة المحدثة.
لكن إذا كانت الصيغ
المحافظة الصريحة للإيديولوجيات لا تفي بالغرض، يمكن للمرء أن يقدم صيغا
"تقدمية". إنه ليس من الصعب الترحيب بـ"الانتقال" عبر كيفيات
تدعم في الواقع هذا النظام. هناك الصيغة المعولمة التي يبدو فيها الانتقال التقدمي
لا مفر منه. وقد يؤدي هذا من جانب أول إلى إرجاء الانتقال حتى تتحقق "شروط
الانتقال القبلية" المتكافئة الحتمية. وقد تقود من جهة ثانية إلى تعويض
الإجراءات التي هي في حقيقتها تدهور للشروط على أساس أنها "تتسرع" تحقيق
الشروط القبلية. ولقد تعرفنا على العديد من مثل هذه الحركات.
وأخيرا، فإن
"الترحيب" بالانتقال يمكن أن يكون له نفس التأثير المحافظ في شكل عنصري.
ويمكن للمرء أن يلح على أن الجماعات "المتقدمة" حاليا وحدها يمكنها أن
تكون متزعمة "التقدم" المحتمل المقبل. وهكذا لا يمكن للانتقال إلى عالم
جديد أن يتحقق إلا على أساس الثقافة القائمة حاليا (الاستعمال الثاني). وعلى
المناطق الأكثر "تخلفا" أن تتبع خطى المناطق الأكثر تقدما في مسلسل
"الانتقال".
إن الإيديولوجيات
الثنائية للعولمة والعنصرية-الجنسية أصبحت إذن وسائل قوية بواسطتها يتم احتواء
التوترات المتناقضة للنظام العالمي. لكنها بالطبع استخدمت أيضا كإيديولوجيات
للتغيير والتحويل في لبوسها الدقيق الاختلاف في نظرية التقدم وإيقاظ ضمير الجماعات
المقموعة. وقد نتج هذا عن استعمالات جامعة بين ضدين لهذه الإيديولوجيات من طرف
المعارضين المحتملين للنظام القائم، أي الحركات المضادة للنظام. ولهذا الجانب
الأخير من الثقافة باعتبارها ساحة للصراع الإيديولوجي أحب أن أعود الآن.
إن حركة مضادة للنظام
هي حركة تحول النظام وفي نفس الوقت هي نتاج لهذا النظام. أي ثقافة تجسدها هذه
الحركة؟ بمعنى الثقافة (في استعمال الأول) من الصعب معرفة كيف تستطيع الحركات
المضادة للنظام احتمالا أن تجسد أي ثقافة أخرى غير ثقافة الاقتصاد الرأسمالي
العالمي. كما أنه من الصعب معرفة كيف أنها غير حبلى وغير معبر عنها بواسطة
الإيديولوجيتين المزدوجتين للعولمة والعنصرية الجنسية.
ومع ذلك، فبمعنى
الثقافة (في الاستعمال الثاني) زعمت هذه الحركات بأنها خلقت ثقافة جديدة، ثقافة
مخصصة لتصبح ثقافة (في الاستعمال الأول) لعالم المستقبل. فقد حاولت بلورة هذه
الثقافة الجديدة نظريا. وبالتالي خلقت مؤسسات يزعم أنها مخصصة لإيلاء أعضاء
ومتعاطفين مع هذه الثقافة الجديدة. لكن ليس من السهل، بالطبع، معرفة ما يمكن أن
تكون عليه الثقافة، أي ثقافة المستقبل. إننا نصمم طوباوياتنا وفق ما نعرفه الآن.
كما نبالغ في جدة ما ندافع عنه. إننا نتصرف في النهاية وفي أحسن الأحوال كسجناء
لحقيقتنا الراهنة التي تسمح لنا بأحلام اليقظة.
وهذا ليس بلا معنى في
نهاية المطاف. لكنه بالتأكيد أقل من أن يكون دليلا مؤتمنا لامتلاك سلوك. فما قامت
به الحركات المضادة للنظام إذا شاء المرء أن يعتبر أنشطتها العامة خلال مائة
وخمسين سنة خلت هو أنها عملت بالأساس على قلب نفسها إلى منفذة للحلم الليبرالي في
الوقت الذي تدعي في أنها من أشد منتقديه. وهذا الوضع لم يكن مريحا. فالحلم
الليبرالي -الذي هو نتاج الوعي الذاتي الإيديولوجي الأساس للنظرة إلى العالم داخل
الاقتصاد الرأسمالي العالمي –يرى بأن العولمة ستنتصر على العنصرية والجنسية. وتمت
ترجمة ذلك إلى أمرين إجرائيين استراتيجيين- تعميم "العلم" في الاقتصاد
وتعميم "التمثيل" في المعترك السياسي.
إن تشيء العلم من طرف
الحركات المضادة للنظام –مثل إشارة ماركس إلى آرائه كـ اشتراكية علمية"- هو
تعبير طبيعي لما بعد انتصار فكر الأنوار في النظام العالمي سنة 1789. وهكذا كان
العلم هو موجه المستقبل عن طريق البحث عن حقيقة كلية من خلال التطوير المحكم
للملكات الإنسانية. فكان بالتالي متفائلا بشكل لا مثيل له. كما أن لا محدودية
طموحاته قد عملت كإشارة إنذار على المؤالفة العميقة بين هذا الصنف من العلم وبين
نظامه العالمي. إلا أن المفكرين المعاصرين للنظام أولوا هذه المؤالفة باعتبارها
خطوة انتقالية ضائعة ولا عقلانية متواصلة محكوم عليها بالأفول.
والمشكل كما تراه
الحركات المضادة للنظام لا يتمثل في وجود كثير من العلم بل في وجود النزر اليسير
منه. فالاستثمار الاجتماعي الكافي في العلم ما يزال غائبا. وإن العلم لم يشمل بعد
كل شعب الحياة الاقتصادية. إذ ما تزال مناطق راكدة في العالم محرومة منه. ونتائجه
غير مطبقة بكفاءة. والثورة سواء أكانت اجتماعية أو وطنية أو كلتيهما سوف تحرر
العلماء، على الأقل، لكي يكتشفوا ويطبقوا حقائقهم الكونية.
والمشكل الجوهري، في
المعترك السياسي، تم تأويله على أنه الإقصاء. فالدول هي خادمات الأقليات، وقد
تعتبر لذلك بأنها أداة كل المجتمع أو كل الإنسانية. فغير المالكين مقصيون.
أدمجوهم! والأقليات مقصية. ادمجوها! والنساء مقصيات. ادمجوهن! ساووا بين الكل.
والطبقة السائدة تملك أكثر مما يملك الآخرون.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق